عبد السلام مقبل المجيدي
265
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
فإن اعترض بما أورده ابن الأثير - رحمه اللّه تعالى - في النهاية ؛ إذ قال : " وفيه - أي في الحديث - ( يأتيني أنحاء من الملائكة ) أي ضروب منهم ، واحدهم نحو يعني أن الملائكة كانوا يزورونه سوى جبريل عليه السلام " « 1 » ، فهذا يدل على تعدد الملائكة الذين يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم . فالجواب : هذا الحديث رواه ابن خزيمة من حديث أبي سعيد رضى اللّه عنه وفيه : " . . . وقعنا في تلك البقلة الثوم ، فأكلنا أكلا شديدا - قال - وناس جياع ، ثم قمنا إلى المسجد ، فوجد رسول اللّه الريح ، فقال : ( من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في مسجدنا ) فقال الناس : حرمت حرمت . فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( يا أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل اللّه ، ولكنها شجرة أكره ريحها ، وإنه يأتيني أنحاء من الملائكة فأكره أن يشموا ريحها ) « 2 » ، فالشأن أولا في صحته ، وقد سكت عليه ابن حجر في التلخيص الحبير مع أن أورده عرضا لا غرضا ، وثانيا : لا مراء في أنه كان يأتيه غير جبريل عليه السلام لكن مدار النزاع في أنه كان يأتيه من يأتيه من الملائكة دون واسطة جبريل عليه السلام فمن زعم ذلك فليبرز الدليل ، فإنه قاطع للتأويل ، وتقدم ما يشير لتعريف جبريل عليه السلام النبي صلى اللّه عليه وسلم بالملائكة الذين يأتونه « 3 » ، كقوله ( فنزل منه ملك لم ينزل . . . ) ، وقوله ( وأنا جبريل ، وهذا ميكائيل ) « 4 » . . . وسرّ هذا الامتناع عن مجيء الملائكة دون تعريف جبريل عليه السلام بهم : أن الملائكة عالم غيبي كذلك الشياطين ، وقد جعل اللّه عزّ وجل لكل قدرة على التصور والتشكل ، وما قامت الدلائل على ملائكية غير جبريل عليه السلام عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ استقر في قلبه العلم اليقيني على ملكيته بعد أن لم يكن كذلك أول لقاء ، فصار وسيطه إلى العالم الغيبي حتى لا يختلط عليه الملك بالشيطان .
--> لا زائر له من الملائكة سوى جبريل عليه السلام ، بل تأتيه الملائكة لكن وسيطه في التعرف عليهم جبريل عليه السلام كما تقدم في الفصل الأول من هذه الدراسة ص 43 ، ونفى الآلوسي - رحمه اللّه تعالى - في روح المعاني 19 / 263 ، مرجع سابق صدق اقتران إسرافيل عليه السلام في روح المعاني ، فقال : " وذلك لم يثبت أصلا " . ( 1 ) النهاية في غريب الأثر 5 / 30 ، مرجع سابق . ( 2 ) رواه ابن خزيمة 2 / 345 ، مرجع سابق . ( 3 ) راجع : الفصل الأول من هذه الدراسة خصوصا ص 43 . ( 4 ) صحيح البخاري 1 / 466 ، مرجع سابق .